جمهورية رفحاء

حدث في صحراء السعودية تصادم بين مزاجين مختلفين، العسكر السعودي بوهابيته وبدويته ولاأباليته وهمجيته من جهة، ومن جهة ثانية الإنسان العراقي بعنفوانه وخطواته الأولى خارج الوطن، بعد سنوات طويلة من الحروب ومنع السفر والعزلة، ثم فشل انتفاضته

شباب قتلهم إما العسكر السعودي، أو مكتب الآستخبارات، أو الشرطة

طارق حربي



وصلنا إلى جمهورية رفحاء لاجئين في بداية شهر حزيران/يونيو سنة 1991، مع نحوِ من ثلاثين ألف لاجىء عراقي، بعد حرب الخليج الثانية، وقمع انتفاضة آذار 1991، وكان مئات الآلاف من العراقيين فروا كذلك إلى دول الجوار (إيران ..سوريا..تركيا..الأردن). ه
بعد سنتين (أيلول/سبتمبر/1993) حصلنا على فرصة اللجوء إلى النرويج مع ثلاثة أشقاء. ه
اليوم الاثنين 10/11/2008 أغلق وإلى الأبد باب الجمهورية، هدمت أسوارها بعد مضي 17 عاما، حيث غادرت إلى أرض الوطن آخر قافلة تضم 77 لاجئا، عبر مخفر السادة الحدودي. ه


الجمهورية/المخيم أنشأته القوات المشتركة على مبعدة 10 كم إلى الشمال من مدينة رفحاء (تقع في شمال العربية السعودية)، لإيواء اللاجئين العراقيين الفارين من نيران حرب الخليج الثانية، وأجهزة صدام الأمنية، ولاقى اللاجئون هناك مالاقوه على أيدي القوات المسلحة السعودية والشرطة والاستخبارات، على خلفية التمايز المذهبي، من صنوف القهر والتعذيب والقتل، والتسفير القسري إلى مخفر السادة الحدودي، حيث كانت بانتظارهم الجهات الأمنية المختصة في عهد صدام المقبور، وسجلنا الحياة في المخيم خلال ثلاث سنوات من الاقامة فيه، بالكتابة والوثيقة والصورة في كتابنا جمهورية رفحاء. ه
يؤسفني كثيرا أن سياسة التهجير الطائفي (داخل الوطن وخارجه)، القتل على الهوية، الاغتيالات والأعمال الارهابية الجبانة، مازالت سارية في العراق، لكن مازال هنالك الكثير من العمل والأمل، منتهى آمالنا ومعقد رجائنا أن يعيش شعبنا أوضاعا مستقرة في العراق الجديد، ولايحتاج بعد اليوم إلى مخيمات جديدة في صحارى دول الجوار وبراريها وسجونها، فتنتهك آدميتهم وحرماتهم وحقوقهم الانسانية! ه



مقدمة كتاب جمهورية رفحاء لطارق حربي

كنت في مطلع شبابي (بداية السبعينات من القرن العشرين)، أختلف إلى مقهى المثقفين في مدينتي الجنوبية (الناصرية)، باحثاً عن الجديد في عالم الشعر والأدب، لأن الكتب والمجلات كانت تصل إلى بعض من رواد المقهى فيتبادلونها، ويتناقشون حول السياسة والفكر والأدب وغيرها. ه

سمعت أحد المثقفين ذات يوم يقول : سيعود الأمريكان إلى قواعدهم في السعودية، لضرب حركات التحرر العربية! ه

لكن متى خرج الأمريكان من السعودية لكي يعودوا إليها!؟..ردَّ آخر ساخرا
ذكرت قاعدة الظهران وحرب اليمن ومحاربة الشيوعية، لكن أهم الأحداث كان تمرد الواعظ النشط جهيمان وجماعته خلال موسم الحج في 20 تشرين الثاني/نوفمبر 1979 ،علامة مميزة رسمت في وقتها ذروة التوترات الداخلية السعودية، حيث احتمى هو وأتباعه بالمسجد الكبير في مكة، معلنا تمرده ضد انحطاط الحكام السعوديين، وعكس انسلاخ الدولة السعودية عن التمسك بالإسلام، بعد تدفق العائدات النفطية ووقوف السعودية على مفترق طرق بين الهوية الاسلامية والحداثة. ه


كان هذا أول ذكر سياسي للمملكة العربية السعودية، غير ذكرها الديني التقليدي الذي تركز في بداية وعيي، لقد حملت المملكة العربية السعودية في السرديات العراقية، سواء الرسمية أوغير الرسمية، دلالات الدولة ذات الخطاب القروسطي، والأكثر رجعية في المنطقة، وشنت السلطات العراقية المتعاقبة حملات إعلامية ضد السعودية، ترافقت مع فتور في العلاقات بين البلدين، الذين شهدا سلسلة من الاتفاقيات المبرمة حول توحيد المواقف السياسية التي تهم البلدين، والتبادل التجاري وإنشاء مناطق تجارية حرة في منطقة عرعر مثلا، وكذلك تثبيت الدعامات الحدودية وتجنيس العشائر وغيرها،
مهما يكن من أمر، فقد ظلّ حاضر المملكة بعد فترة ليست بالقصيرة، غامضاً بالنسبة إلي، لاسيما فعاليات المعارضة السياسية الداخلية، والقمع السياسي للمعارضين نفيا، وإلقاءً من الطائرات في صحراء الربع الخالي، وسألت نفسي مرارا : لكن كيف يعيش المواطن السعودي في قارة من الرمل والنفط والممنوعات!؟


إذا ألقينا نظرة على العلاقة بين الشعبين (العراقي والسعودي)، فسوف نلاحظ أنها ضعيفة، قياسا بغيرها من الدول المحيطة بالعراق، مع مابين الشعبين من أواصر العروبة والإسلام والتداخل الطوبوغرافي وامتدادات بطون العشائر، (عشيرة شمّرعلى سبيل المثال)، والمصاهرات التي كانت تحدث بين عشائر العراق والسعودية، لكن الغريب في الأمر أن تلك العلاقة بين الشعبين بقيت مقصورة على حجاج بيت الله الحرام، وتبادل بعض الزيارات بين مواطنين من العراق، ومثلهم من منطقة الإحساء والقطيف ذات الأغلبية الشيعية، ومهربين عراقيين من مدينتي السماوة والناصرية الجنوبيتين على وجه الخصوص، إلى مدن حفر الباطن وغيرها من المدن الحدودية السعودية، ورعاة أغنام عراقيين يبيعون مواشيهم في المدن الحدودية السعودية، ويتبضعون بأثمانها سلعا كهربائية ومواد غذائية تتطلبها فرق العملة. ه

إذا تفحصنا طبيعة النظامين الحاكمين في كلا البلدين، فإنهما لايختلفان كثيراً في مجالات انتهاك حقوق الإنسان، وسلب الحريات وتغييب العقول وتكميم الأفواه وكثرة المعارضين، فإذا كانا كذلك فلماذا إذن يضمر الواحد منهما العداء للآخر، ويتباغضان في وسائل الإعلام والمواقف السياسية، وفي المحافل الدولية؟

مع مافي العقل السياسي السعودي، من دهاء البدو ومسحة الدين الكاذبة والطائفية ونمط الحكم المتسلط والمستبد، ومع مافي العقل السياسي العراقي تحت الحكم الطاغي، من الحمق وعدم المسؤولية والأنانية وانفصال الحاكم عن الشعب، رغم مابين النظامين من عداء معلن ( في الإعلام على الأقل)، فإن المراقب لايشك لحظة واحدة في تقارب الأجهزة الأمنية في كلا البلدين، إذا صح الكلام على أن عالم اليوم هو عالم مخابرات، وجس نبض واتفاقات بين تلك الأجهزة قبل الحكومات، والأدلة كثيرة على كلامنا هذا، فلغرض تحكيم الحدود خلال سنوات الحرب العراقية الإيرانية، بحيث يصعب نفاذ المواطن العراقي إلى الخارج، لأن محرقة الحرب كانت تحتاج إلى البشر باستمرار، عقد النظام الطاغي اتفاقيات أمنية مع الدول المحيطة بالعراق، ومن بينها طبعاً المملكة العربية السعودية والكويت. كانت الاتفاقيات الحدودية ألأكثر إيلاما للشعب العراقي لجهة جحود الجار المسلم، حيث قامت المملكة والكويت بموجبها بتسليم الأجهزة الأمنية العراقية، الكثير من رجال العراق الفارّين إبان الحرب، ولاقى الكثير من هؤلاء مصيرهم المحتوم. ه

من جهة أخرى لايخفى أن السعودية والكويت ساهمتا بالمال خلال الحرب اللعينة المذكورة، إن كان ذلك عبر شراء صفقات أسلحة للنظام الطاغي أو المساهمة بالقروض، حتى وصل شكل المساعدات من هذين النظامين إلى عمق المجتمع العراقي : إلى العائلة العراقية على شكل مكافآت (مكافآت الموت!)، عن رأس كل شاب عراقي مقطوع في الحرب. المكافأة العجيبة الأولى هي سيارة يتسلمها ذووه، أما الثانية فهي بضعة آلاف من الدولارات، وزاد النظام الطاغي على مكافأة الموت القادمة من هذين النظامين الرجعيين، فمنح ذوي الضحية قطعة أرض وامتيازات أخرى. ه

بهذا تكون كل من السعودية والكويت ساهمتا في شحذ آلة الحرب وإطالة أمدها، أي أن النظامين حاربا إيران برأس مالهما وذراع النظام الطاغي، وكنا في العراق نستغرب أن يساهم النظامان المذكوران في ذبح أبناء شعبنا، ولو بشكل غير مباشر، وكانت قوة العملة واضحة في حلبة الصراع، ولعبت دورا أساسيا في إبعاد نار تلك الحرب عن السعودية والكويت، لتحدث على أراضي الغير بدلاً من أراضيهما ولو إلى حين، لأن الطاغية سيقلب رأس المجن للكويت، ويستبيحها بعد سنوات كما هو معروف. ه

فنتيجة للتخادم السياسي والآقتصادي بين النظامين (السعودي والكويتي) من جهة، والنظام الطاغي من جهة ثانية بمباركة الولايات المتحدة، استطاع النظامان أن يستردا الثمن الذي أنفقاه على حرب صدام ضد إيران، وذلك فور قصف الحلفاء للعراق وتعطيل إنتاج النفط والحصار عام 1991. ه

كان النظامان يعوضان الأسواق العالمية، عن حصة النفط العراقي المتوقفة عن التصدير، أما وزراء النفط في كلا النظامين فقد حرصا باستمرار، على مناكفات سياسية غير خافية، بأن دولتيهما زادتا من كميات انتاج النفط لتعويض حصة العراق في الأسواق. ه

***

قام العراق بغزو الكويت في الثاني من آب/أغسطس 1991واقتضت مصالح الولايات المتحدة وأوروبا الغربية واليابان، أن يُطرد الجيش العراقي من الكويت مهما كان الثمن، وكانت النتيجة أن دُمِّر العراق، وطُرد الجيش من الكويت التي عادت إلى أهلها بعد حوالي ستة أشهر، لتندلع آنتفاضة آذارالمعبرة عن ضمير الشعب العراقي في اعقاب ذلك، أي عندما تراخت قبضة صدام عن رقبة الشعب العراقي. ه

وكان أن نزح الآلاف من العراقيين إلى بعض من الدول المجاورة والبعيدة، خلال قصف دول التحالف للعراق، وعمليات عاصفة الصحراء لتحرير الكويت، وأقيمت مخيمات للاجئين العراقيين في كل من إيران والسعودية، ووصل مئات الآلاف غيرهم إلى الأردن وسوريا وتركيا وباكستان، كما وصلت أعداد قليلة من العراقيين إلى الصين، وحملت قوارب أندونيسية عتيقة أفواجاً من العراقيين إلى أستراليا فتوطنوا هناك، بينما لم يحالف الحظ مجموعات أخرى فغرقوا في البحر، وغرقت إحدى السفن مؤخرا قرب جزيرة جاوه، في الطريق إلى أستراليا وعلى متنها نحو (350) عراقيا، لم ينجُ منهم غير عدد قليل بينهم آمرأة، وكانت كارثة مروعة اهتز لها الضمير العالمي وكتب عنها الكثير، وخصصت تلفزيونات العالم ساعات بثتْ فيها صور السفينة الغارقة! ه

اقتصاديا فإن ممالاشك فيه أن قيمة المواطن العراقي هبطت بهبوط قيمة ديناره، على الأقل في عيون الدول التي كانت تحسب للدينار ألف حساب، وحدث ذلك الهبوط بسبب رعونة المنطق السياسي للنظام الطاغي المتسلط على رقابنا في العراق، وكانت سنة الحصار هي السنة الفصل التي أرَّخت لذلك الهبوط، وتلك هي معادلة العالم الحديث: منطق القوة العسكرية وقوة الآقتصاد، والعملة التي ينهار بانهيارها سلم القيم، كما حدث ويحدث في وطننا منذ العام 1991

***

بعدما وافقت المملكة العربية السعودية على إيوائنا في مخيم رفحاء، تأفف كبار السن من النازحين، ونحن ما نزال في مخيم صفوان أي على أراضينا، تنبأ هؤلاء بما سيحصل لنا لاحقاً من قتل وتسفير وإذلال ومهانة، على يد السلطات في المخيم، وكان من الطبيعي في تلك الأيام الصعبة، أننا لم نحمل تأففهم على محمل الجد، لأن الوطن ضاق بنا فتوسلنا منفذاً ما، أيا كان ومن حيث انفتح وإلى أين سيؤدي، حتى لو كان يؤدي بنا إلى قعر الجحيم! ه

حدث في صحراء السعودية تصادم بين مزاجين مختلفين، العسكر السعودي بوهابيته وبدويته ولاأباليته وهمجيته من جهة، ومن جهة ثانية الإنسان العراقي بعنفوانه وخطواته الأولى خارج الوطن، بعد سنوات طويلة من الحروب ومنع السفر والعزلة، ثم فشل انتفاضته التي انتظرها طويلا، وكان لحكومة المملكة نصيب في تحريض الولايات المتحدة ضدها، لغرض إفشالها بدعوى شيعيتها، والتحامها مع الثورة الايرانية، مايعني تهديدا لمصادر الطاقة التي تمول عصب الحياة الاقتصادية، في الغرب والولايات المتحدة واليابان، وتنشأ عن ذلك بطبيعة الحال الكوارث الاقتصادية والحروب. ه

***

عودة إلى المخيم، فإن الحسابات السعودية القائمة على تعميق التقسيمات الطائفية، كانت وراء استمرار الصراع بين سلطاتها في المخيم واللاجئين العراقيين، فهي وبالآستناد إلى المذهب الوهابي تنظر إلى شيعة العراق على أنهم روافض، ولهذا السبب تم حجز اللاجئين العراقيين في الصحراء، وعدم مساواتهم بباقي اللاجئين من العرب والآسيويين وغيرهم ممن يقيمون ويعملون داخل مدن المملكة بكل حرية، وكان الضباط والجنود والشرطة يسألون اللاجئ العراقي سؤالا عجيباً: هل أنت مسلم أم شيعي؟

ومن أسباب التصادم أيضا أمية الجنود السعوديين : فعدم فهمنا لمايقولون مثلا، خلق نوعاً من الجفاء بيننا وبينهم، صبَّ عليها الزيت عدوانية مكتب الاستخبارات، عندما خلا لعناصره الجو، وبدأوا يسلمون إلى العراق المطلوبين من اللاجئين ممن شاركوا في الآنتفاضة، وذلك حسب قوائم كان يزودهم بها مكتب المخابرات في المخفر الحدودي العراقي! ه

على أن أولى الصدمات حدثت في اليوم الأول، عندما استهجن اللاجئون مشهد عدد من الجنود السعوديين، وكانوا يؤدون فريضة الصلاة بأحذيتهم!.كان هذا المشهد مؤثرا فعلا، فقد وقف اللاجئون وجلهم من الشيعة على مبعدة أمتار من المصلين، متسائلين عن ضرورة ارتداء الحذاء أثناء الوقوف بين يدي رب العالمين!؟

***

لابد أن الحكومة السعودية قررت سلفا،ً وأخبرت القوات الأمريكية بقرارها، بأن شرط إقامة مخيم للاجئين العراقيين على أراضيها، هو عدم دخول هؤلاء وإيوائهم في المدن السعودية، وكانت المملكة تضيق ذرعا باللاجئين حقا، كلما اشتكت المنظمات الإنسانية من سوء معاملة السلطات في المخيم لهم، لذلك كان الأمير سلطان بن عبد العزيز وزير الدفاع، وهو يعتبر الرجل الثالث في المملكة، يجيب على أسئلة الصحفيين في (التلفزيون)، عندما كانوا يستفسرون منه عن سوء المعاملة، كان يقول: يبه اللي يريدهم ياخذهم! ه

***

لقد أتاحت لنا الصحراء تناول موضوعة الآنعزال وتطبيقاتها، من وجهة النظر الأكثر مأساوية والأقل اكتراثا، فالأكثر مأساوية هي تحديد هوية الضحية، ومن ثم إهمالها لتلاقي مصيرها في الصحراء، (أشبه مايكون بمصير أهالي بلدة الدجيل ممن حاولوا اغتيال الطاغية سنة 1982 فتركوا في صحراء السلمان نهبا للضياع والتشرد والموت!) ، ومثلهم الأسرى الإيرانيون في الحرب العراقية الإيرانية وكنت تعرفت على عدد منهم هنا في اوسلو بعد حصولهم على اللجوء السياسي وسردوا لي الأهوال والمصاعب التي عاشوها في صحراء الرمادي!، هكذا ببساطة رغم أن (كاميرات) العالم المتحضر تضاعفت، في حقبة الثمانينات والتسعينات من القرن العشرين، وهرعت إلى كل مكان في هذا الكوكب المترنح حيثما انتهكت حقوق الانسان، طبعا من وجهة نظر الغرب والولايات المتحدة الآنتقائية، ليس لخدمة الإنسانية كما يصور ذلك إعلامهم، لكن لتسخير تلك الصور في خدمة مصالحهم. ه

أما الأقل اكتراثا فهي المنظمات الانسانية على اختلاف مستوياتها الرسمية والشعبية، فقد تباطأت المنظمة الدولية على سبيل المثال، وتقاعستْ عن أداء واجبها حيال البشر الموصوفين في شرعتها، ووصلت بعثتها بعد عام من إقامة المخيم، ولولا وقفة اللاجئين وإضرابهم عن الطعام وتجمعهم بباب المخيم، رداً على انتهاكات حقوق الإنسان فيه كما سنرى لاحقا، لتأخرت المنظمة الدولية عاما أو عامين إضافيين، ولربما لا تأتي على الإطلاق، لأن السلطات السعودية في المخيم، عزمت على إرجاع اللاجئين إلى العراق بالعصي الكهربائية وبنادق المذهب الوهابي المشرعة. ه

ولم يكن موظفو لجنة الصليب الأحمر، أكثر شجاعة من موظفي المنظمة الدولية، ولا أكثر تحملا للمسؤولية منهم، فقد كان هؤلاء أجبن من أن ينقلوا الحقائق كما هي أو مائة بالمائة، إلى مرؤوسيهم في جنيف، ولشدّ ما كانوا يخشون من فقدان وظائفهم وامتيازاتهم، وقد صرحوا هم بذلك، كما سيمر معنا. ه

***

نحاول هنا إعطاء فكرة عن الفئات الاجتماعية داخل المخيم، ويمكن تقسيم تلك الفئات إلى المثقفين والشيوخ وأبناء عشائرهم والمتشددين الشيعة والناس البسطاء . ه

بنى الشيوخ لهم مضائف من الخيام الكبيرة التي تسع العشرات، ظانين أن بينهم وبين العيش الرغيد في إحدى المدن السعودية أيام معدودات، وإذا طال الأمر أكثر فهي لاتزيد على بضعة أسابيع. زودت قيادة المخيم تلك المضائف بدلال القهوة والفناجين وفرشتها بالسجاد، وكما مارس الشيوخ سلطاتهم على أراضيهم، وبين أبناء عشائرهم عندما كانوا في العراق، مارسوا السلطة نفسها في مخيم رفحاء، لفترات تقصر وتطول، حسب منزلتهم لدى قيادة المخيم. كان لبعض الشيوخ حظوة لدى الطرف السعودي، وعلى رأسهم الشيخ كاظم آلريسان آل كَاصد (شيخ عشائر آل حجام)، وكان قائد المخيم (ضابط سعودي غالبا مايكون برتبة عميد أو عقيد في الجيش)، يزور الشيوخ في مضائفهم بين وقت وآخر، يسمر معهم الليل يحدثهم عن العادات والتقاليد العشائرية في العراق، ويحدثونه عن العادات والتقاليد العشائرية السائدة في السعودية، وكان لكل شيخ أتباع من أبناء عشيرته، يوزع عليهم هبات القائد، وظن الأخير – خطأ – أنه يضع أمن المخيم كله، في الأشهر الأولى على الأقل، بين أيدي الشيوخ، لقدرتهم على ضبط النظام والهدوء بطريقة الحلول العشائرية كما كان يعتقد خطأ. ه

لكن ليس كل اللاجئين يشعرون بقوة الآنتماء إلى العشائر، بل إلى بنية المجتمع العراقي بما يضم من تنويعات ومذاهب مختلفة. بآختصار : ينتمون إلى فئات اجتماعية متباينة الثقافة، مختلفة المزاج والتفكير والرؤية : أساتذة الجامعات والأطباء والمهندسون، الباحثون في الأديان والعقائد والحضارات والفلسفة والفنون، المدرسون وطلاب الجامعات الذين لم يكملوا دراستهم، بسبب ظروف الحروب والحصار والآنتفاضة، جمع غفير من المثقفين والفنانين والشعراء والسينمائيين، وأفضل ممثل مسرحي ومخرج مسرحي في العراق لعامي 1900-1991 على التوالي، أبطال الرياضة على صعيد الوطن العربي والعالم، عازفون ومؤلفون موسيقيون ورافعو أثقال نالوا جوائز وغيرهم من الشخصيات في مجتمع رفحاء. ه

هناك أيضا الإسلاميون وجلهم متشددون للمذهب الشيعي، خصوصا أبناء القرى والأرياف والأهوار، وأخيرا هناك البسطاء من اللاجئين من عمال وفلاحين وكسبة وعاطلين عن العمل. ه

وكان من الطبيعي أن يخرج من بين الفئة الأخيرة عدد من (الشقاوات)، أصحاب القبضات والسكاكين والسيوف والقامات وهم قلة قليلة. ه

فيما عدا مجموعات العشائر فإن أغلبية اللاجئين كانوا من سكنة المدن، سواء الكبيرة أي المحافظات أو الصغيرة أي الأقضية والنواحي، لذلك لم يفلح الشيوخ في حل مشاكل المخيم، الناشبة بين وقت وآخر، نتيجة لآنعدام الأمل بعدما طالت فترة وجودنا، أو نتيجة الحر الشديد ولهيب الصحراء خلال فصل الصيف، وغيرها من الأسباب الآجتمانفسية. ه

ونبذ الإسلاميون مضائف الشيوخ فلم يدخلوها، مستندين إلى مفهومات المذهب الشيعي، بعدم الخضوع لغير إرادة الخالق سبحانه، لم يؤمنوا بحلول الشيوخ فراحوا يحلون مشاكلهم، فيما بينهم داخل الحسينيات التي بنوها من الخيام الكبيرة، وكان يعينهم على حل تلك المشاكل، فتاوى المرجعيات وغيرها من المصادر التي اصطحبوها معهم من العراق، لابل إنهم تقدموا خطوة أبعد من ذلك، حيث توحدوا ضد مضائف الشيوخ، في محاولة لإزالة سلطتهم، واتهموهم بالمداهنة مع السلطات السعودية في المخيم من جهة، والتواطؤ ضد (الثورة الإسلامية) التي كانت سبب خروجهم من العراق، ويعنون بذلك الطابع الإسلامي لإنتفاضة آذار، التي يصرون على تسميتها بالانتفاضة الشعبانية. ه

لكن الحسينيات نفسها كانت تنقسم على بعضها البعض، فيتبعها المريدون كل حسب الآية الذي يقلده في العراق أو إيران، والمرجعية الدينية التي يأتمر بأمرها، وكانت تصل إلى الحسينيات وبعض المتشددين فتاوى بالرسائل من إيران وسوريا، أو بيد الوفود الإيرانية الرسمية التي تزور المملكة، لأداء فريضة العمرة، وتطلب بعض الوفود من السلطات السعودية المختصة، زيارة المخيم بعد إتمام الفريضة، فيُسمح لهم بذلك. ه

وحسب المتشددون من اللاجئين أن لهم على العالمين درجة، لأن مفجري الآنتفاضة إسلاميون بالدرجة الأولى، ولئن كان معظم اللاجئين من الفرات الأوسط والجنوب، وكلهم تقريبا ينتمون إلى المذهب الشيعي، فقد ارتدى هؤلاء الثياب البيضاء اللون و(الغترة) وأطلقوا لحاهم وحملوا المسابح 101 ، وراحوا يحاربون المثقفين والمتنورين وحملة الشهادات، ويعتبرونهم خارجين عن الدين وتعاليم المذهب، وهذا أمر عجيب انتبهنا إليه في المخيم منذ الأيام الأولى، إذ أننا لم نعش أو نشهد مظاهره في وطننا، بمعنى أن الكثير من اللاجئين من المصلين أنفسهم، كانوا يرون أن بنية المجتمع العراقي واحدة، تتماهى مع الدين الاسلامي ومع المذهب الشيعي بالذات، ومن هنا لايجوز الخروج عليها بأفكار أو مواقف أو اعتقادات أو اجتهادات، وثمة تحدٍّ آخر قد لايقل أهمية، هو تأكيد الهوية الشيعية مقابل تحديات المذهب الوهابي، الذي كانت تلوّح به السلطات السعودية في المخيم، وكان هذا الأمر يشكل تهديدا حسب رأي المتشددين للهوية الشيعية، والقضية الرئيسية التي خرج اللاجئون من أجلها، وهي رفض الظلم الذي لحق بهم جراء طغيان نظام صدام الشقيق الطائفي للنظام في المملكة العربية السعودية. ه

ونفض عدد من الشيوخ أيديهم من حل مشاكل اللاجئين داخل المخيم، بعد أشهر قليلة، وانحسر دورهم إلى تهدئة النفوس، وأخيرا بقي مقتصرا على أبناء عشائرهم، وكان البعض من هؤلاء تنكب المشيخة، ليجرب حظه في مجتمع متباين الأهواء، نافر يشعر دائما بالظلم والغبن، ودليله على ذلك وجوده في الصحراء مهملا ومنسيا. ه

***

وتوالت الأدوار بين فئات مجتمع مخيم رفحاء!

فبعد دور الشيوخ برز دور المتشددين الذين ظنوا أنهم بالصلاة لا بغيرها يمكنهم ضبط المخيم، وبالتسابيح يمكنهم استمالة القلوب الظمآى إلى الحرية خارج ألأسوار، وظنت قيادة المخيم – وكم كانت واهمة – أن الأمور ستسير في مجراها الطبيعي، طالما أن الأغلبية يؤدون فريضة الصلاة‍، وينتمون إلى نفس المذهب. وهكذا التأم الأمر لهؤلاء المتشددين، بتشجيع من السعوديين أنفسهم، وتولى البعض منهم إدارة قواطع المدن، وأسمى كل واحد منهم نفسه محافظا. ه

لقد ميزت قيادة المخيم المحافظين الجدد فبنت لهم خياماً في المخيم القديم، وأخرى ملحقة بها، كمخازن لحفظ وتوزيع الأغذية الذي لا يتم إلا بإشرافهم، وأغدقت عليهم الهدايا وزودتهم بهويات خاصة، تسمح لهم بالذهاب إلى مدينة رفحاء، التي أصبحت بالنسبة لعموم اللاجئين مدينة أحلام محرمة. ه

إذا صح أن دور الشيوخ انتهى، لشعور اللا آنتماء لدى معظم اللاجئين بالعشائر وتقاليدها، فإنه يصح أيضا أن دور المصلين انتهى في إدارة القواطع، نظرا لأن الحسينيات بدأت تخلو من المصلين بسبب اليأس والقنوط، ونسيان العالم لقضية اللاجئين في الصحراء، وهكذا انخفض عدد المصلين إلى النصف أو أقل، وبمرور الأسابيع والأشهر لم تعد الحسينيات تفيض بالمصلين كما السابق، أي عندما كان الكثير من اللاجئين يضطرون إلى أداء الصلاة خارج (رواكَات) خيمة الحسينية، وربما سجدوا على الأرض لشدة الزحام. ه

***

في خضم الحياة القاسية في الصحراء، برزت فئة قليلة من أصحاب السكاكين والسيوف والقامات والقبضات والسيوف كما ذكرنا، وكان عدد من هؤلاء، يقضون أحكاما جنائية متباينة في السجون العراقية، قبل غزو الكويت وبعد وتحريرها، ولما اندلعت الانتفاضة وخلعت أبواب السجون، حررهم المنتفضون من ضمن ماحرروا من العراقيين، وعددا قليلا من الكويتيين كما سمعنا. ه

إن تلك الفئة أساءت على قلتها إلى المخيم وسمعته، وجعلت الإعلام السعودي يتقول عليه ويرميه بشتى التهم المخجلة، وأخذ الإعلام العالمي من فم الإعلام السعودي الأقاويل، ولاكها وضخمها ثم أعاد انتاجها على هوى مصالحه، وعمق كراهيته للشعب العراقي الذي حدد موقفه من النظام عبر ملحمة الآنتفاضة، لا بل إن تلك الاشاعات، غطت أحيانا على وظيفة المخيم السياسية والإنسانية من جانب، ومن جانب آخر على اللاجئين المنتفضين الحقيقيين، وهم أغلبية نزلاء مخيم رفحاء، أولئك الذين فاقت تضحياتهم في الآنتفاضة كل وصف، حتى إذا فشلت هاموا على وجوههم من العراق إلى أرض الله الواسعة، مضحين بأموالهم وممتلكاتهم وكل ما تبقى وراء ظهورهم. ه

أظن أن هناك أسباباً قوية دفعت بهذه الفئة من اللاجئين، إلى صناعة السيوف والقامات، وكان في مقدمتها الجهل. إن معظم هؤلاء قضوا فترات طويلة من حياتهم في السجون كما قلنا، وهم لم يتعلموا في المدارس، وكان طبعهم ميالا إلى حمل السلاح وتوجس الحذر من الآخرين، فتربوا على ذلك منذ الصغر، وكان للبيئة تأثير أيضا. ومن الأسباب أيضا التحديات التي كان مكتب الآستخبارات يفرضها على المخيم، وأعني اقتحامات عناصره المتكررة للخيام، وإلقاء القبض على مجاميع معينة من اللاجئين أو الأفراد، ومايتبع ذلك من المهانة والتسفير القسري إلى العراق، ناهيك عن إهانات العسكر والشرطة السعوديين لهم، بدون سبب في الغالب. ه

لقد طرق الشقاوات أوتاد الخيام الحديدية تحت نار حامية، وصنعوا منها الآلات الجارحة، ثم راحوا يتباهون بطول السيف وخفته، وشكل غمده وطريقة حمله وإخفائه تحت الثياب، كما أنهم نقلوا تقاليد الشقاوات العراقيين إلى المخيم، وكان من أكثرها سوءا أنه كانت لهم سطوة على بعض البسطاء من اللاجئين، ممن صدقوهم فتبعوهم كالعبيد، وربما استخدموهم لأغراض السخرة، مثل حمل المواد الغذائية من الشاحنات، والمياه من المقطورات إلى خيام الشقاوات، والعمل داخل خيمة الشقي : تنظيف الخيمة وإدامة توتير حبالها ودق أوتادها وتنظيفها وحراستها ليلا ونهارا، وهذه الخدمات ليست مجانية بطبيعة الحال، فهي تقدم مقابل الدفاع عنهم من غارات الشقاوات الآخرين!! ه

وكان المخيم مسرحا لجولات ومشاجرات بالآلات الجارحة قام بها هؤلاء، لاسيما في فصل الصيف من السنة الأولى، تحت أشعة الشمس الصحراوية الحارقة، لكن المشاجرات خفت وتلاشت في السنة الثانية، وكانت أسبابها تافهة : إما بسبب شحة المياه، أو خطأ طفيف في توزيع المواد الغذائية، أو لتصفية حسابات شخصية لم تحسم في العراق، فتضاعفت في الصحراء، ولو كان القانون سائدا في مخيم رفحاء لما حدث ما حدث، لكننا كنا نعيش شريعة الغاب التي كرستها السلطات السعودية، كما سنتعرض له بالتفصيل. ه

لاحظنا أن بعضا من هؤلاء الشقاوات عمل لصالح مكتب الآستخبارات كوكلاء، يجلبون لهم المعلومات ويطاردون جنباً إلى جنب، مع عناصر المكتب، المطلوبين من اللاجئين، لغرض تسليمهم إلى المخفر الحدودي العراقي، لكن البعض من هؤلاء الأشقياء الوكلاء، صحا على نفسه ولو بعد فترة، وكفّر عن ذنبه بالآعتزال نهائيا من مهنتي الشقاوة، والعمل لصالح مكتب الاستخبارات، متفرغا لكتابة الدارميات في الوطن المطعون والحبيبة التي تزوجت بعد انتظار طويل ويأس من عودة لاجئ يحب بلاده! ه

وقام بعض من هؤلاء، بنقل معلومات إلى من يهمه الأمر (أمر الآعتقال أو التعذيب)، أي إبلاغ اللاجىء المطلوب تسليمه قبل ساعات ليختفي على سبيل المثال، أو بإفشاء السر عن أسماء بعض المعتقلين من اللاجئين، وطرق تعذيبهم، وفي أية حفرة أو (كرفان) أخفاهم المكتب وراء الأسلاك الشائكة للمخيم، وأيضا طريقة التسليم إلى المخفر الحدودى العراقي، بل وحتى أنواع الويسكي والمسدسات التي يتسلمها مكتب الآستخبارات عن كل (رأس) لاجىء يسلمونه إلى الجهات الأمنية العراقية. ه

***

لم تكن قضية هجرة اللاجئين، وإعادة توطينهم في عدد من دول العالم، موضع اهتمام ونقاشات بين أوساط اللاجئين أول الأمر، فقد كان الجميع ينتظر بفارغ الصبر سقوط صدام والعودة إلى أرض الوطن، لكن ذلك لم يحدث – للأسف – فطال عمر المخيم، وبعد عام واحد تقريبا أقيم مكتب للمفوضية السامية، وأطلق مديره السوري كريم الأتاسي قنبلة أصابت الجميع بالهلع والخوف واليأس، عندما صرح : ربما يستمر وجود المخيم سبع سنين. وهنا التفت اللاجئون إلى حالهم وطالبوا بالخلاص وإعادة التوطين في عدد من دول العالم، طالما انسدَّ طريق العودة إلى الوطن، فضلا عن رفض السعودية دخول أي لاجئ عراقي إلى مدنها مؤقتا أو ودائما! ه

الشيوخ وأبناء عشائرهم كانوا يطمحون بالدخول إلى المدن السعودية والعيش فيها، لأن لهم فيها علاقات قديمة تمتد في بطن التأريخ، مع العشائر السعودية ومصاهرات خاصة مع منطقة القطيف والإحساء ذات الأغلبية الشيعية كما تقدم معنا. ه

المثقفون كانوا يتمنون الهجرة إلى الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية، لغرض إكمال الدراسة، أو نيل الحرية والتمتع بالحياة الحقة حسبما كانوا يعتقدون. ه

المتشددون كانوا يمنّون النفس بالرحيل إلى قبلتهم إيران، أو على الأقل إلى سوريا. ه

البسطاء من الناس لا رأي لهم، لكن بمرور الأيام والسنين، تكون لهم رأي من خلال أقاربهم أو أصدقائهم ، ممن هاجروا قبلهم إلى الولايات المتحدة أو إلى دول أوروبا، فأرسلوا من هناك رسائل وصوراً حول الحياة وحقوق الإنسان والديمقراطية والرفاهية. ه

* * *

أسميناها جمهورية رفحاء لأنها خرجت من حرب كونية مدمرة شاركت فيها 33 دولة ضد شعبنا ووطننا، يقول الخبراء إن الغرب ضرب العراق بأعقد منظومات الأسلحة الستراتيجية، التي كانت موجهة أصلا إلى صدر العالم الشيوعي قبل انهياره. ه

تفقد الجمهورية ممثلو لجنة الصليب الأحمر الدولي ومنظمات حقوق الإنسان. ه

زارها أمراء ووزراء وسفراء ومدراء استخبارات وعناصرهم، وعدا الآستخبارات السعودية ومثلها الإيرانية، فقد تجسس على جمهورية رفحاء جواسيس لحساب الآستخبارات العراقية، مهدت لهم السلطات السعودية في المخيم طريق الدخول إليه، وسهلت العيش مع أبنائه، بغرض إثارة المشاكل مع السلطات السعودية في المخيم، حيث يمنح السعوديون ذريعة ويقومون بتسليم أكبر عدد من اللاجئين إلى العراق، ويتم إغلاق المخيم لأنه يشكل عبئا سياسيا وإعلاميا على نظام الطغيان ببغداد. ه

زارها آيات الله وحججه وأقاموا فيها بضع ساعات أوبضعة أيام، صلوا مع أبنائها صلاة جماعية، أوصوهم بالصبر على الغربة وعدم الآنقطاع عن الصلاة بانتظار الفرج. ه

فيها سوق ارتبط بالتجار السعوديين وكذلك دكاكين تصريف عملة وصناعات يدوية محلية. ه

فيها مستشفى وولادات وأطفال يكبرون كل يوم ضد إرادة السلطات السعودية في المخيم، نظرا لما جلبه الأخير على السعودية، من سمعة سياسية وإعلامية لا تحسد عليها، وكان يمكن تفاديها بقليل من الحكمة، زائدا محبة العراق شعبا وارضا وحضارة وتأريخا، لايمكن إنكار أن السعودية كانت تتمنى الخلاص من اللاجئين بأية صورة كانت، وإقفال المخيم بأسرع مايمكن، لكن إرادة الحياة والبقاء كانت أقوى من إرادة شرطة مكافحة الشغب، والعميد القائد وجنوده ومكتب الاستخبارات، فتكاثر أبناء الجمهورية حتى صعب حصرهم. ه

فيها مقبرة تضم رفات شباب قتلهم إما العسكر السعودي، أو مكتب الآستخبارات، أو الشرطة وعوضوا ذويهم، محذرين إياهم (على طريقة نظام القهر في بغداد) بعدم التفوه بكلمة للصحافة الأجنبية – إذا ما زارت المخيم – عن حقيقة الأمر: قولوا ماتوا في شجارات بالآلات الجارحة فيما بينهم! ه

فيها منتحرون لم يتحملوا البقاء في الصحراء، فألقت عليهم الكآبة بكلكلها، وشنقوا أنفسهم في الخيام أو في الحمامات، وشيوخ القوا عصا الترحال ووسدوا رؤوسهم رمال الصحراء، وما تدري نفس بأي أرض تموت. ه

فيها غزل من وراء (رواك) الخيمة، ورسائل غرام، حب وزواج وطلاق وعقود زواج مختومة بختم، طرقه البعض من علب (البيبسي كولا) المعدنية الفارغة، واستمر الزواج وأُنجب أطفالا لم يروا العراق، فقد فتحوا عيونهم في الصحراء، وراحوا يسألون أهلهم وجيرانهم عن العصافير والقطط والفراشات والأسماك، وكيف تكون أشكال الحيوانات والطيور وحدائق الأطفال والزهور! ه

راسل الجمهورية مفكرون ومثقفون وفنانون عراقيون وعرب وأجانب، وأجابهم أبناؤها برسائل مليئة بالشجن العراقي، وصورها التلفزيون السعودي فزوّر الحقائق، وصورها اللاجئون أنفسهم فاغتاظ أهل الإنسانية، واستحت الأمم المتحدة من نفسها، بعد حوالي سنة على تجاهلها لقضية اللاجئين في الصحراء، فاعترفت بها، وأرسلت مندوبين عنها، وشكل هؤلاء مكتباً فيها، لتنظيم عملية هجرة أبنائها وإعادة توطينهم. ه

فيها مدرسة وحسينيات ومكتب للإغاثة الإسلامية العالمية وجامعة شكلية ومذاهب في الحياة والفلسفة والرؤية والمزاج والتفكير والفن، ومتشددون للمذهب الشيعي وعصاة على الأديان، فيها صلاة جماعية تشبه صلاة الآستسقاء في الصحراء : الوجوه مرفوعة تطلب من المغيث غيثاً من رحمته يصبه على العباد، ويبعد الظلم عنهم والقسوة والتسفير والمهانة. ه

فيها تخمير بقايا المواد الغذائية في (جليكانات) الماء ليصبح خمراً وماألذه؟!، فيلتم حوله عدد من اللاجئين بعدما ينضج، خلال ليالي سمر طردت شبح الموت ولم تطرده. ه

***

استمر العمل في كتابة هذه السطور أكثر من أربع سنوات (في أوقات متباعدة)، وكنت كتبت هوامش وسطوراً متواضعة أثناء وجودي في المخيم، خضعت لإضافات بعد سنوات، وتباين الإسلوب، فثمة فصول كتبت على شكل تأملات ويوميات، وأخرى على شكل سرد يومي مفصل للاحداث والمشاكل الناشبة في المخيم آنذاك. ه

أود هنا أن أسجل شكري وامتناني للصديقين علي البلوشي (يقيم في الدنمارك) وليث عبد الغني (يقيم في السويد) حيث زوداني بوثائق مهمة، أدرجت منها (فصل مخيم الارطاوية) لالقاء المزيد من الأضواء على مخيم آخر عانى ماعاناه من الطرف السعودي، مستفيدا في مواقع معينة من ضبط عدد من التواريخ والأحداث، وأسماء الجرحى والشهداء وكل شيء مذكور في مكانه. ه

وكان الصديقان من بين أبرز اللاجئين الناشطين في مخيم الارطاوية، فقد عملا على تنظيم المظاهرات وكتابة المذكرات، والآتصال بالإذاعات العالمية قبل خروقات السلطات السعودية ضد اللاجئين وأثناءها وبعدها، وما زالا يقومان بواجبهما الوطني من منفاهما، عبر كتابة رسائل الاحتجاج والمشاركة في اعتصامات مع نشطاء عراقيين، على أبواب السفارات السعودية في كوبنهاكن واستوكهولم وغيرها. ه

حتى كتابة هذه السطور مايزال حوالي (6000) لاجئ يقيمون في رمال رفحاء، ويعاني هؤلاء من قسوة الحياة في الصحراء وانتهاكات الطرف السعودي وامتهانه لانسانيتهم، لا بل صارت الحياة أكثر قسوة وعذابا، ولم تتوقف انتهاكات حقوق الإنسان في المخيم، وكنت كلما سمعتُ أو قرأتُ عن ذلك أهرع إلى منظمة العفو الدولية في أوسلو، أحث قسم الشرق الأوسط ومسؤوله والعاملين فيه، على المبادرة والتحرك من أجل أهلنا هناك، وكانت المنظمة تطمئنني : إما أنهم سيرسلون أحد موظفيهم الموجودين في المنطقة، أو أنهم أرسلوا الموظف فعلا حال سماعهم بالأنباء السيئة. ه

قرأت أن عددا من الصحفيين كتبوا عن المخيم وهم لم يعيشوا فيه، لاسيما المصريين، والبعض الآخر سمع من الناس وكتب، وغير هؤلاء قرأوا عن المخيم وكتبوا إلى صحفهم ومجلاتهم، اختلطت الأوراق وغُيبت الحقائق، لذلك آمل أن تكون هذه السطور المتواضعة، تضيء ولو جزءاً بسيطاً من الحقيقة، في زمن تنطمس فيه الحقائق وتنتهك الحقوق، تذبح شعوب وتقصف مخيمات، وتستباح حرمة بعض من أعراض الناس فيها، وتحجب (الكاميرات) صوراً وتظهر صورا أخرى لأغراض سياسية وإعلامية معروفة. ه